فـتــاة الـمــطر
- فتاة المطر
لم
تكن بدايةَ يومها مرضيةً,وخاصة بعد هطولِ الأمطارِ بشكلٍ غزيرٍ دونَ انقطاع .
فقد
خرجت ندى مع إشراقاتِ الصباحِ الحزينةَ إلى روضتها,
وهي بالكادِ قد بلغت الأربعَ
سنواتٍ من عمرها, ماشيةً بأقدامها الصغيرةَ على عجلٍ مستجمعةً كلَّ خوفِ العالم في
قلبها الطفولي البريء.
تسير
وعيناها تسبقها، فعلى يمينها جنديْ يهوديْ مسلَّح، وعلى يسارها ثانٍ، وأمامها آخرْ
, فكلُّ الطرق لاتكادُ تخلو منهم ,ولامن ابتساماتهم المستهزئة المتعجرفة التي يصوبون
بها نحو المارة ,أيَّاُ كانوا نساءً أم رجالاً،شباباً أم أعجازاً ،فلافرق بينهم إن
كانوا حاملين الهويةَ الفلسطينية, يختلقون لهم الأحداث لكي يوقفوفهم بها على سبيل
التسليةِ بهم ،بشتى أنواعِ التفتيشِ والتعذيبِ والتنكيلِ.
لكنَّ
ندى لم يكن قدرها في هذا اليوم أن تقع بين أيديهم،
فقد احتفظت بخوفها وترقبها
لطيلة الطريق،
فمازالَ عليها المضيَّ للوصول لروضتها.
فسارت
طريقها حتى وصلت وأمضت دوامها الإعتيادي في روضتها الصغيرة .
وعند
اقتراب انتهاء الدوام ،انقلبت الأحوال الجوية من غير سابقِ إنذار.
فتلبدتْ
السماء بالغيوم ،وأخذت الرياح تشتد وتعصف بالمكان ،والأمطار تغزر بقوةٍ حتى أصبحت
الشوارعَ مرتعاً للبرك والمياه الجارية دونما توقف.
وعند
استعداد الأطفال للمغادرة من روضتهم الصغيرة مع ذويهم وآبائهم الذين كانوا
ينتظرونهم في الخارج، والفرح يداعبٌ ملامحَ وجوههم البريئة ، تقف ندى جانباً
مرتكزةً على بابِ الروضة ،وهي تسترق الأنظار لهم بعينيها السوداوتان تتلفتٌ يميناً
ويساراً ،تتأملهم وهم يرحلون على عجلٍ مع
ضحكاتهم، يداعبون قطرات الأمطار بأناملهم الصغيرة تحت أذرعِ آبائهم ،وهي صامتة ،عاجزة،
لاتدري ماتفعل ، فالأرض من تحتها وعرة ،ومياهها عميقة ،ومن فوقها سماء تهطل بغزارة
،
والكل قد رحل ،وهي باقية وحيدة من دون حيلة، لكن لامفر يجب أن ترجعَ لبيتها ،فعقلها
الصغير لايدرك كيف يتصرف ،لكن كل ماتدركه الآن هو أنه يجب أن تعودَ لبيتها.
فخطت
بخطواتها المرتعشة مبتعدةً عن عريشة الروضة،ضامة ذراعيها على بعضهما ، لعلها تلتمس
شيئاً من الدفء ،مطأطئةً رأسها المنغمر ماءاً من شعرها الأسودِالمنسدل على وجهها،
تمسح به من حينٍ لآخر إما مطراً وإما دمعاً يتيماً،
تتساءلٌ: به في سكينةٍ (لم ليس لي أباً مثلهم؟!
لكن ماهو الأب ؟!!.. )
وتمضي
متمايلةً يمناً ويسراً على الأرضِ المنزلقة، متماسكةً بصعوبة كي لاتقع، فلا أحد في
المكان ليقدم يده لهاإن سقطت، حتى أن الشوارعَ خاليةً من جنودِ المحتل، فلا أثر
لهم سوى جيباتهم العسكرية التي يختبئون فيها من صعوبة الجو.
وبينما
هي تتلمس طريقها ،فإذا بجيبٍ عسكري يسرع من جانبها كالبرق فوق بركة مليئة بالماء ،
فيرشق جسدها الصغير بالوحل من أولها لآخرها،
فإذا بعيونها الحزينةَ تذرفٌ دمعاً أكثر فأكثر ،
كنهرٍ
جارٍ، متعجبةً مما فعلوه بها،
فتقول
في نفسها : (ماذا فعلت بهم لأجد هذا؟!!!.).
ومضت
طريقها الطويل باكيةً بأناتٍ حزينةٍ يضيقٌ بها خاطرها المكسور.
فإذا
من بعيدٍ ،ومن بين زخات المطر، تطلٌ إمرأةً في منتصف العمر مقتربةً نحوها، تسرع
الخطى لها ،لاتأبه بالأمطار المتساقطة عليها ،ولابحجم ماتلوث به رداؤها البسيط من
طين ووحل الشوارع، ممسكة بين يديها شيء تكاد تعتصر لتخبئه من البلل .
وكلما
اقتربت ،ارتسم وجه ندى ببسمات منهكة متأملة ،وكأن الرحمات تتساقط عليها مع كل قطرة
مطر،بدموعها الشاكية تحكي لها من بعيد عما جرى لها، من قساوة يومها.
فاقتربت
تلك المرأة ،وبسرعةِ المشتاقِ الخائف، ومن دون أي كلمة تنطق بها ،أخرجت ما خبأته
بين ذراعيها (إنه الوشاح الصوفي الزهري)
ولفت
به ندى العائمة بمياهِ المطر، حتى أنه لايكاد يظهر منها شيء سوى عيناها البراقتان اللتان
تنظر لها نظرة الشوق بعد غياب .
وبهمسٍ
قالت لها شاكية :(أمي ...أنا أشعر بالبرد.)
فحملتها
وضمتها بين ذراعيها وقالت لها:(خفف الله عن أبيك برد الأسر ياابنتي).

تعليقات
إرسال تعليق